سيد محمد طنطاوي
87
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم حكى - سبحانه - ما قالته بعد أن وضعت ما في بطنها فقال - تعالى : * ( فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ) * . قالوا : إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار ، بل المقصود منه إظهار التحسر والتحزن والاعتذار ، فقد كانت امرأة عمران تتوقع أن يكون ما في بطنها ذكرا ، لأنه هو الذي يصلح لخدمة بيت اللَّه والانقطاع للعبادة فيه ، لكنها حين وضعت حملها ووجدته أنثى ، قالت على سبيل الاعتذار عن الوفاء بنذرها : رب إني وضعتها أنثى ، والأنثى لا تصلح للمهمة التي نذرت ما في بطني لها وهي خدمة بيتك المقدس ، وأنت يا إلهي القدير على كل شيء فبقدرتك أن تخلق الذكر وبقدرتك أن تخلق الأنثى . والضمير في قوله * ( فَلَمَّا وَضَعَتْها ) * يعود لما في بطنها . وتأنيثه باعتبار حاله في الواقع ونفس الأمر وهو أنه أنثى . وقوله * ( أُنْثى ) * منصوب على الحال من الضمير في وضعتها ، وهي حال مؤكدة لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير فجاءت أنثى مؤكدة . وقوله * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) * جملة معترضة سيقت للايماء إلى تعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه ، وللإشعار بأن الأنثى ستصلح لما يصلح له الذكور من خدمة بيته . أي : واللَّه - تعالى - أعلم منها ومن غيرها بما وضعته ، لأنه هو الذي خلق هذا المولود وجعله أنثى ، وهو العليم بما سيصير إليه أمر هذه الأنثى من فضل ، إذ منها سيكون عيسى - عليه السّلام - وسيجعلها - سبحانه - آية ظاهرة دالة على كمال قدرته ، ونفوذ إرادته . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) * بضم التاء وعلى هذه القراءة لا تكون الجملة معترضة وإنما هي من تتمة ما قالته ، ويكون الكلام التفاتا من الخطاب إلى الاسم الظاهر وهو لفظ الجلالة إذ لو جرت على مقتضى قولها ، * ( رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ) * لقالت : وأنت أعلم بما وضعت . ويكون قولها هذا من تتمة الاعتذار إلى اللَّه - تعالى - حيث وضعت مولودا لا يصلح لما نذرته - في عرف قومها وتسلية لنفسها ، أي ولعل اللَّه سرا وحكمة لا يعلمها أحد سواه في جعل هذا المولود أنثى . أو لعل هذه الأنثى تكون خيرا من الذكر . وقوله - تعالى - * ( ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثى ) * يحتمل أنه من كلامه - سبحانه - وهو الظاهر - فتكون الجملة معترضة كسابقتها ، ويكون : وليس الذكر الذي طلبته كالأنثى التي ولدتها ، بل هذه الأنثى وإن كانت أفضل منه في العبادة والمكانة إلا أنها لا تصلح عندهم لسدانة بيت اللَّه تعالى ، بسبب حرمة اختلاطها بالرجال وما يعتريها من حيض وغير ذلك مما يعترى النساء .